عمر فروخ
38
تاريخ الأدب العربي
سواهم في كل شيء . هذه التسوية بين غير العرب وبين العرب هي التي سمّاها أهل الحميّة العربية « الشعوبية » . وكان في البيئة العبّاسية طبقة أثّرت في حياة المحدثين تأثيرا عميقا ، تلك هي طبقة الجواري . والجارية في الأصل هي الفتاة ، أو الفتيّة من النساء ، ولكنها أصبحت تطلق على الإماء - أي الجواري المملوكات . على أن الجواري في العصر العباسي لم يكنّ يمتهنّ في خدمة البيوت ، أو اننا نحن لا نعني هؤلاء منهن . بل كان هنالك استاذون واستاذات يعلمون الجواري أصناف العلوم كالفقه والكلام وأنواع الفنون كالغناء والرقص والشعر ، حتى انهنّ كنّ يتّخذن للمباهاة والمناظرة . وقد يبلغ ثمن جارية مثل هذه مئات ألوف الدراهم أو الدنانير . وقد زعموا ان محمدا الأمين أغرى ابن عمه جعفرا بمليون دينار حتى رضي أن يبيعه جارية عنده اسمها بذل . وقد كان بعض هؤلاء الجواري شاعرات . ورغب الناس في الزواج بالجواري فأنجبن الأولاد ، وكثيرا ما كان أبناء الجواري أشهر وأقدر من أبناء الحرائر ، نعد لك من هؤلاء المنصور والرشيد والمأمون والمعتصم . إلا أن كثرة الجواري في بيوت الخلفاء والأمراء وفي مراتع اللهو كان أيضا مدعاة إلى الفساد الاجتماعي الذي أنّت منه البيئة العباسية . ولقد زاد في هذا الفساد نشوء طبقة الغلمان والخصيان . 3 - وكثر التعرّب ( التشبّه بالعرب ) بين الموالي ، وبلغ من إعجابهم بالعرب أنهم كانوا يلفّقون لأنفسهم أنسابا عربية ، فأبو تمّام الرومي أصبح حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس . . . بن عديّ بن عمرو بن الحارث بن طيء بن أدد . . . بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ( تاريخ بغداد 8 : 248 ) . وهكذا أصبح المسلمون من الترك والفرس والروم يشعرون شعورا قوميا عربيا : فاللغة العربية أصبحت لغتهم ، والتاريخ العربي تاريخهم ، والحياة العربية حياتهم . حتى إن الذين لم يدخلوا في الإسلام بل ظلوا في أهل الكتاب من النصارى واليهود والصابئة كانوا لا يختلفون في شعورهم الظاهر عن المسلمين في شيء ، وربما تسمّوا بالأسماء الإسلامية وتكنّوا بالكنى العربية .